وقفات ٌ ووقفات (1) النقد المرغوب
للشيخ الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الكلامُ اللينُ يغسل الضغائن الكامنة في القلب ، ويحبب النفوس المتنافرة
، ويقارب وجهات النظر ، ويصلح ذات البين ، ويوحد الصف ، ويجعل الخلق جميعاً إخوة
متحابين غير متدابرين ، وبعكسهِ الغلظةُ والشدةُ من الناقد سواء كان المنقود فرداً
أو جماعة فإن سوء النقد وغلظته لا يُورِّث إلا البغض والكراهية ، ورد الحق ،
والإصرار على الباطل ، واختلاف وجهات النظر ، وتفريق الكلمة
.
ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام
: "ما كان الرفقُ في شئٍ
إلا زانه ، وما نُزِع من شئٍ إلا شانه
".
ولا يمكن أن يَسْلَم أحدٌ من الوقوع في الخطأ ، وليس ذلك عيباً في حق
الآدميين لكونهم مجبولين على ذلك لضعفهم ، فليس العيب أن يقع الشخص في الخطأ ولكن
العيب أن يصر عليه معرضاً عن إصلاح وضعه مع الله والناس أجمعين
.
وحتى نصحح هذه الأخطاء يجب علينا التزام أدب النقد من جهتين
وطرف
:
الجهة الأولى
: من جهة الناقد إذ يجب
عليه التزام الحكمة وحسن النقد حال نقده
.
الجهة الثانية
: من جهة المنقود إذ يجب
عليه أن يتقبل نقد أخيه بصدر رحب مع السعي لإصلاح ذلك العيب
.
وأما الطرف
فيلزم الناقد أن يكون مثالاً
حياً فلا يكون نقده خلاف واقعه ، ويلزم المنقود أن يكون متواضعاً مُتقبلاً نقد أخيه
غير متعالٍ عليه
.
والنقدُ في العادة لا يخلو عن كونه رسالةً مُوجهةً إلى واحد من ثلاثة
إما مساوٍ لك في القدر والمكانة كالصديق ، وإما دونك كالولد والتلميذ ، وإما أعلى
منك كالوالدين والأمير
.
وكل هؤلاء بشر يعتريهم ما يعتريك من الخطأ والنقص والعيب ، وكونك مصلحاً
وناصحاً لن تنجح في نصيحتك حتى تأخذ بهذه الجملة السماوية القرآنية
: ادْعُ
إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
.
فصديقك وجارك ووالداك وأميرك والناس أجمعون لن يقبلوا منك وداً ولا حباً
ولا أُلْفة حتى تحببهم إليك بأخلاقك وحسن أدبك في النقد والوعظ ، ولذا قال الله عز
وجل لنبيه
: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنتَ
فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ
.
وإليكم هذا المثال الرائع من حياة السلف
:
بينما الرشيد هارون يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال : يا أمير المؤمنين
إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي فقال : لا ولا كرامة قد بعث الله من
هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني فأمره أن يقول له
قَوْلاً
لَّيِّناً
.
فحنانيك بالأمة وأفراد المجتمع فصلاحُهم بالكلمة الطيبة وطلاقةِ الوجه
والرحمة والتسامح وخفض الجناح ولين الخطاب ، لا بالقسوةِ وعباسة الوجه والترفع
وقسوة الخطاب
.
فمن ذا الذي ما ساءَ قطْ ومَنْ لهُ
الحسنى فقطْ
فَلِيْنُوا مع الصغيرِ والكبير ، ولا تكونوا جبابرةً يَغلبُ جهلُكم
حِلمَكم
.
وصلوا مَنْ قَطَعَكم ، واعْطُوا مَنْ حرمَكم ، واحلموا عمَّن جهل عليكم
، وابتغوا الشرفَ والسؤدد والرفعة من الله وحده ، ولتكن صدوركم دولةً واسعةً لقبول
النقد ، وتقديمه لمجتمعكم في أحسن لباسٍ ، والله يرعاكم
.
المصدر موقع فضيلة الشيخ الدكتور صادق بن محمد البيضاني
www.albidhani.com