بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم و
رحمة الله و بركاته
هذه رسالة هامة من موقع إمام المسجد عسى أن ينفع الله بها
إيه! لو أخذنا العلم من علماء المسلمين السابقين قبل الاحقين
ثم أتممناه بما ينقصه من عند "الأخرين" لأعزنا الله العزيز الحكيم
دلُّـونـي على السُّوق
"التجارة في
الإسلام"
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد
فإن التجارة وطلب الرزق من الأمور المشروعة في الإسلام؛ فالأصل فيها الإباحة,بل قد تكون مستحبة بحسب المقصد منها
والمال من الضروريات التي لا تستقيم مصالح الدنيا إلا به، وهو قوام حياة البشرومعاشهم, يقول ابن حجر –رحمه الله-: "إن الله جعل المال قياماً لمصالح
العباد؛وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح"1
ولا يمكن تحصيل المال إلا عن طريق التكسب والمضاربة والإجارة وغيرها من الوسائلالمباحة شرعاً.
والناظر لعامة المسلمين
اليوم يجدهم بين أمرين
مغرق فيها، وشغله الشاغلجمعها والسعي في تحصيلها، ولا نصيب له من هموم الإسلام والمسلمين
وآخر محجم عنها محذرمنها يرى من امتهنها أنه ناقصٌ عديم النفع قليل البركة
ويمكن بحث هذا الموضوع من خلال ما ورد من نصوص الكتاب والسنة وما أثر عن سلفهذه الأمة
فالمال عصب الحياة كما
قال تعالى: ( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ
أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا )
(5) سورة النساء.
أي: تقوم بها معايشكم والحاجة للمال ماسة في حق الفرد والجماعة، وبيان حاجة الفرد
للمال: أن حفظ حياتهمتوقف على الأكل والشرب
وكذلك الملابس الواقية من الحر والقر، وكل هذه الأشياء تتطلبمالاً، وهذا ما يكون أكثر
وضوحاً في البلاد الفقيرة التي شح فيها المال بأيدي الناس
وأما في حق الجماعة فالحاجة إليه من وجوه:
- أن الأمة هي مجموعة من الأفراد؛ فإذا دخل النقصعلى كل فرد دخل على الأمة جميعاً
- أن
الأمة مطالبة بمجموعها بالدفاع عن دين الله والجهاد في سبيل الله، ولا بد لذلك من عُدَّة، ولا يكون ذلك إلا بالمال؛
كما قال تعالى:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )
(60) سورة الأنفال.
كما أن وجود المال في يد الأمةيغنيها عن أعدائها؛ وهذا واقع لا يحتاج إلى دليل
التجارة في نظر الشرع:
قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)
(267) سورة البقرة.
وقال –جل وعلا-:(
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ )
(37) سورة النــور.
فمدح الله إقامتهم لذكر الله فيوقت التجارة.
وقال سبحانه( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
(9) سورة
الجمعة.
فأمرهم بترك البيع في وقتمحدود، وهو يوم الجمعة؛
مما يدل على جوازها في غير ذلك
ثم قال: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)
(10) سورة الجمعة.
أي:من التجارة ونحوها
وقال: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ
رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )
(15) سورة الملك.
وقال:( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ
اللَّهِ ) (20) سورة المزمل.
قال ابن كثير: "يبتغون من فضل الله في المكاسب
والمتاجر"2
ولقد قدم الله -عز وجل- هنا التجارة على الجهاد الذي هو سنام الدين؛ فتأمل ذلك!
بل قدَّم الله في آية الجهادِ
الجهادَ بالمال على الجهاد بالنفس
( وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (11) سورة الصف.
وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ )(29) سورة النساء.
وقال -عز
وجل-: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
أَلَّا تَكْتُبُوهَا ) (282) سورة البقرة.
وقال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (275) سورة البقرة.
ولقد كان الأنبياء -عليهم السلام- يؤجِّرون
أنفسهم عند الحاجة، وقد أُمرنا بالتمسك بهديهم؛
قال تعالى: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (90) سورة
الأنعام.
وقد قص الله علينا نبأ موسى -عليه السلام-
مع شيخ مدين حينما قال له
(
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ ) (27) سورة القصص.
فمكث موسى -عليه السلام- عشر سنوات؛ لكي يعف فرجه ويشبع بطنه.3
وقال في قصة داود -عليه السلام-:
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ* أَنِ اعْمَلْسَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا (10-11)
سورة سبأ؛ حيث
كان-عليه الصلاة والسلام- يصنع الدروع، فاحترف مهنة الحدادة التي يمتهنها بعض الناس اليوم
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما بعث
الله نبياً إلا ورعى الغنم؛ كنت أرعىالغنم، وكنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)4.
ولقد خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فيبدء أمره يريد
الشام للتجارة,
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إن هذا المال خضرة حلوة؛فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة)5.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ)6
. وعن أبي هريرة -رضي
الله عنه- عن النبي -صلى اللهعليه وسلم-
أنه قال: (ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من عمل يده, وإن نبي اللهداود -عليه السلام-
كان يأكل من عمل يده)7
وفي الحديث فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره
والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن اقتصاره
في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛
لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله تعالى، وإنما ابتغى الأكل من طريق
الأفضل
ولهذاأورد النبي -صلى الله عليه وسلم- قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خيرالكسب عمل اليد8.
وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلىالله عليه وسلم- قال: (إن زكريا -عليه السلام- كان نجاراً)9.
وقال ابن عباس -رضي اللهعنهما-: "كان آدم عليه السلام حراثاً، ونوح نجاراً، وإدريس خياطاً
وإبراهيم
ولوطزارعين، وصالح تاجراً، وداود زراداً، وموسى وشعيب ومحمد -صلوات الله عليهم وسلامه-رعاة"10
ولقد كان سلف الأمة يرون أن طلب الرزق وكسب المال خير من القعود؛ فعن أنس -رضيالله عنه
- قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة
فآخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهوبين سعد بن الربيع الأنصاري
وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أقاسمك مالينصفين
وأزوجك
قال: "بارك الله لك في أهلك ومالك, دلوني على السوق؛ فما رجع حتىاستفضل أقطاً وسمناً"11
وأورد البخاري هذا الحديث في كتاب البيوع؛ والغرض من إيراده لهذا الحديث ليدلعلى اشتغال بعض الصحابة بالتجارة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-
وتقريره ذلك وجاء عن أبي المنهال أنه قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف
فقالا:كنا
تاجرين على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألنا رسول الله -صلى الله عليهوسلم- عن الصرف،
فقال: (إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن
كان نسيئاً فلا يصلح)12
وما جاء عن عروة بن الجعد الأزدي البارقي، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم
-أعطاه ديناراً يشتري له به شاة،
فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بديناروشاة،
فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح
فيه13
وجاء في البخاري في كتاب البيوع عن عائشة -رضي الله عنها-
قالت: كان أصحاب رسولالله -صلى الله عليه وسلم- عمال
أنفسهم"14،
وكانوا يتجرون في البر والبحر ويعملونفي نخيلهم15
ولم يؤثر عن واحد منهم أنه ترك العمل والتكسب وجلس في بيته، بل ورد عنهم ذمذلك؛
قال عمر -رضي الله عنه-: "لا يقعد أحدكم
عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني؛فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة"16
وكذلك من جاء بعدهم من السلف اقتفوا أثرهم في الحث على التكسب بالطرق المشروعة
قال سعيد بن المسيب –رحمه الله-: "لا خير فيمن لا يجمع
المال فيكف به وجهه، ويؤديبه أمانته، ويصل به رحمه, وحكي أنه لما مات ترك دنانير
فقال: "اللهم إنك تعلمأني لم أتركها إلا لأصون بها ديني
وحسبي". وقال رجل للإمام أحمد: إني في كفاية،فقال: "الزم السوق؛ تصل به الرحم، وتعود به نفسك"17
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً فيالجاهلية, فتأثموا أن يتجروا في المواسم
فنزلت في مواسم الحج:( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ
رَبِّكُمْ )(198) سورة البقرة18.
وبعد هذا العرض يتبينأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- والصحابة -رضي الله عنهم-
على جلالة قدرهم وعظيممنزلتهم وحرصهم على ما يرضي ربهم كانوا يمارسون التجارة بقصد التعفف عن الناس
الغاية من التجارة
إن الغاية من التجارة تحصيل المال؛ إذ للمال فوائد دينية ودنيوية، أما
الفوائدالدنيوية: فالخلق يعرفونها؛ ولذلك تهالك الناس في طلبها والسعي في تحصيلها, وأما الدينيةفتتلخص في ثلاثة أنواع هي
1 - أن ينفقه على نفسه، إما في عبادة كالحج والعمرةوالصدقة ونصرة المسلمين، وإما يستعين به على العبادة كالمطعم والملبس والمسكن
وغيرهامن ضرورات المعيشة؛ فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر لم يتفرغ القلب للدين والعبادة
2 - ما يصرفه إلى الناس، وهو
أقسام: أ- الصدقة: وفضائلهاكثيرة مشهورة. ب- المروءة: كضيافة الإخوان والأصدقاء. ج- ما يعطيه أجرة على الاستخدام:فالأعمال التي يحتاج إليها الإنسان كثيرة؛ فلو تولاها بنفسه
لضاعت أوقاته
3- ما يصرفه في وجوه البر, كبناء المساجد ودعم الهيئاتالدعوية والإغاثية وغيرها من وجوه البر
فوائد التجارة:
للتجارة فوائد كثيرة منها
1-
الاستغناء عن الناس, ومعلوم أن الشريعة الإسلاميةنبذت التسول والنظر إلى ما في أيدي الناس , ودعت المرء المسلم أن يسعى في طلب الرزقبالوسائل المباحة, ومما
ورد في ذم التسول قوله –عليه الصلاة والسلام-: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم)19.
وامتدح الذي
يأكل من عمليده فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره, خير له من أنيأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه)20.
وقال: (ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكلمن عمل يده, وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده)21
2 - أنها سبب في إقامة ألوان من العبودية لله -عزوجل- فمن يمتلك المال يستطيع أن يضيف إلى نفسه أجوراً مضاعفة كالأوقاف
والدعوة إلىالله والصدقات، ونصرة المستضعفين، وتفطير الصائمين، وغيرها من ألوان العبودية؛ فلهذاقال -صلى الله عليه وسلم-: (ذهب أهل الدثور
بالأجور)22، وفي رواية: (بالدرجات العلىوالنعيم المقيم)23.
وهم أصحاب الأموال؛ فقد أضافوا لأنفسهم نوعاً من العبادة وهو الصدقة،ولم
يستطع غيرهم أن يفعله؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
3 - أنها تقوي التوكل على الله, فالتجارة نوع من المخاطرة؛فقد
يكسب الإنسان وقد تركبه الديون؛ فلذلك تجد قلبه متعلقاً بالله محتاجاً إليه
4 - أنها تنمي الإبداع والتفكير, ويظهر
ذلك في كونالتاجر يسعى جاهداً في تطوير تجارته والإبداع فيها لينجح في تجارته ويحقق ما يريد
5 - أنها تحقق الأمن
الاقتصادي للأمة الإسلامية؛ فالأمةالتي لا تملك اقتصادها لا تملك قرارها, فالذي يملك التجارة والمال يؤثر في الناس
وهذاما حصل مع
ثمامة بن أثال عندما أسلم قال لقريش
"والله لا يأتيكم من اليمامة حبةحنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه
وسلم"24
ما يجب على التاجر
يجب على التاجر أمور منها
1 - ألا تلهيه تجارته عن طاعة الله؛ فإن هناك واجباتعينية وكفائية لا بد من مراعاتها وعدم
الإخلال بشيء منها على حساب ما يقوم به من عملتجاري
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك فقال: (تعس عبد الدينار
والدرهم)25.
وقال الله -جل وعلا-:
( فَإِذَا
قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) (10) سورة الجمعة.
يقول الشيخ السعدي –رحمه الله-: "ولما كانالاشتغال في التجارة، مظنة الغفلة عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره
فقال: ( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ