بسم الله الرحمن الرحيم
( قتل النفس المعصومة جريمة كبيرة تخلد صاحبها في النار)
إِنَّ اَلْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِيِنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ,وَنَعُوْذُ بِاْلله مِنّ شُرُورِ أَنْفُسِنَاْ,وَمِنْ
سَيئَاْتِ أَعْمَالِنْاَ,مَنْ يَهْدِهِ اَلله فَلاَ مُضِلَ لَهُ,وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِياَ لَهُ,وَأَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إلاَ اَلله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ
لِهُ,وَأشْهَدُ أَنَّ مُحمَدً عَبْدُهُ وَرَسُوُلُهُ.أَماَ بَعْدُ:فإِنَّ أَحسَنَ اَلكَلَامْ كَلامُ اَلله,وَخَيرَ الهَديْ هَديُ مُحَمَد صَلَى الله عَليهِ
وَسَلمْ,وشَرَ الأُمورِ مُحدَثاَتُهَا,وَكُلَ مُحدَثَةً بِدْعَة,وَكُلَ بِدْعَةً ضَلاَلةْ,وَكُلَ ضَلاَلَة فْيَ الْنَارْ أما بعد :
من المعلوم أن شريعة الإسلام قد جاءت تحفظ الضروريات الخمس وحرمت الاعتداء عليها - الدين - والنفس – والمال - والعرض -
والعقل.ولا يختلف المسلمون في تحريم التجاوز على الأنفس المعصومة في دين الإسلام فإن كانت
مسلمة فلا يجوز بحال الاعتداء عليها وقتلها بغير حق ومن فعل ذلك فقد ارتكب جريمة كبيرة من كبائر الذنوب العظام وقد يؤول به الأمر إلى استحلال تلك الدماء المحرمة من دين
المسلمين بالاضطرار فيجعل صاحبه يقع تحت وعيد الله تعالى يقول الله تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ
جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }النساء93
ولبيان عظم النفس وحرمتها عند الله سبحانه وتعالى ، الخالق لها ، بين القرآن الكريم وقعها على المجتمع وأن كفلها كمن قتل الناس أجمعين قال تعالى
{ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي
الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ
إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32قال مجاهد - على عظم قتل النفس بغير حق.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم تلك المكانة لهذه النفس التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، حتى تقع في احد الحدود الثلاثة التي
رخص الله للأمة إيقاف تلك النفس حتى يقل إثمها ويقل ضررها على المجتمع في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلهم قوله (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من
الدين التارك للجماعة) متفق عليه وهذا لفظ البخاري.ويقول
النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا
فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم). ونظر ابن عمر رضي الله عنهما يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقـال
(ما أعظمـك وأعظـم حـرمتــك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك).كل هذه الأدلة تدل على عظم حرمة دم المسلم وتحريم قتله لأي سبب من الأسباب إلا ما دلت عليه النصوص الشرعية فلا يحل لأحد أن يعتدي على نفس مسلمة بغير حق يقول
الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما .. (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل
من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا اله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أسامة أقتلته بعدما قال لا اله
إلا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) متفق عليه وهذا لفظ البخاري.وهذا دليل عظيم على حرمة الدماء ، فهذا رجل مشرك ، وهم مجاهدون في ساحة القتال لما ظفروا به وتمكنوا منه نطق
بالشهادة ، تكلم بالكلمة التي تعصم دم كل من قالها ، يبقى مصان محترم حتى يفارقها أو يأتي بالأفعال التي رخص الشارع بقتلها ، فتأول أسامة رضي الله عنه قتله على أنه ما
قالها إلا ليكفوا عن قتله ولم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره وتأويله وهذا الواقع العظيم الذي وقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وربى المسلمين عليه .
وكما أن دماء المسلمين محرمة فان أموالهم محرمة مصانة يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن
دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) أخرجه مسلم .
ومما سبق يتبين تحريم قتل النفس المعصومة بغير حق وقد بين الإسلام الأنفس التي عصمها الله سبحانه وتعالى - نفس المعاهدين ، وأهل الذمة
والمستأمنين، جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قتل معاهدا لم
يرح رائحة الجنة وان ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما) أخرجه البخاري.ومن أدخله ولي الأمر المسلم بعقد أمان وعهد فان نفسه وماله معصوم لا يجوز التعرض له ومن قتله فانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لم يرح رائحة
الجنة) وهذا وعيد شديد لمن تعرض للمعاهدين ومعلوم أن أهل الإسلام ذمتهم واحدة يقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون تتكافأ دماؤهم
ويسعى بذمتهم أدناهم.وكذلك إذا أجار أحد من المسلمين رجلا
كان امرأة – فإن إجارته يعمل بها فقد ثبت أن أم هانئ رضي الله عنها أجارت رجلا مشركا عام الفتح وأراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن
يقتله ذهبت للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال صلى الله عليه وسلم (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) أخرجه البخاري ومسلم.وكل من دخل بعقد أمان أو بعهد من ولي الأمر لمصلحة رآها فلا
يجوز التعرض له ولا الاعتداء لا على نفسه ولا ماله.
وحفاظاً على النفس المسلمة البريئة من إزهاقها وقتلها بغير حق نهى رسول الله عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ولو كان مزاحاً سداً للذريعة، وحسماً
لمادة الشر التي قد تفضي إلى القتل، فعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا يشير أحدكم إلى أخيه
بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار).
وفي رواية لمسلم قال: قال صلى الله عليه وسلم : ( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى
ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه).
فإذا كان مجرد الإشارة إلى مسلم بالسلاح نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحذر منه ولو كان المشير بالسلاح مازحاً، ولو كان يمازح أخاه من
أبيه وأمه؛ لأنه قد يقع المحذور فكيف بمن يقتل الأنفس البريئة ويروع المسلمين ويرمل النساء وييتم الأطفال، ويستهدف أرواح الأبرياء، فيقتل الأنفس المسلمة بغير حق،
فيالها من جريمة نكراء، ويالها من بشاعة تقشعر منها الأبدان!
فكم سمعنا وسمع غيرنا عن قتل أنفس مسلمة من أجل بعض لعاعة الدنيا ، أو من أجل منصب أو كرسي وُعد به ، أو عداوة ضمرها لمسلم بوشاية كاذبة وهو لا
يعرفه ، أو بدافع حزب ، وغير ذلك من الترهات التي يستبيح الكثير اليوم دماء المسلم معصوم النفس .
ويالها من عاقبة وخيمة ، وحمل ثقيل يضعه القاتل على كتفيه ، أو طوق من نار يضعه على رقبته بإزهاق هذه النفس المعصومة وهنا لابد من إشارة ، الذي
يقتل مسلما وهو يعلم انه مسلم ودمه معصوم ثم تجرأ على قتله فهذا ذنب يخلد صاحبه في نار جهنم والعياذ بالله ، وقد صرح القرآن الكريم بذلك تنبيها من التقرب من هذه النفس التي
تؤدي الشهادتين ، فكيف بمن يقتل المسلم لأنه تكلم على حزبه ، أو تكلم على رمزه ، والأدهى من ذلك من قتل مسلما ليفرح الكفار أو يبيع هذه الدم المعصومة بعرض من الدنيا زائل ،
ليقبض مالا أو لينال منصبا ، فأي عذاب سينال من الله الحي القيوم قال تعالى { وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ
فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ }غافر47
ولقد حق غضب الله ولعنته على من قتل مؤمناً بغير حق ، كما أشارت الآية { وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (93) سورة النساء.
ثم إن الله تعالى أعطى قدرا ومكانة عظيمة وإشارة قرآنية بالغة في المضمون والمعنى لمن لا يدعوا مع الله ، ولا يقتل نفسا معصومة ، ولا يزني )
والترابط بين النصوص الشرعية حول قتل النفس يدور حول هذه المحاور الثلاث التي ذكرناها وما بعد ذلك يلحقه الإثم ، ويشدد عليه العذاب ، ثم التحصيل الأكبر أنه يخلد في نار
جهنم . قال تعالى { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *إِلَّا
مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} (68-70) سورة الفرقان.إن النفوس المحرمة غالية عند الله، لها وزنها وثمنها، حتى ولو كانت
النفس طفلاً صغيراً، كما قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَيِّ ذَنب قُتِلَتْ} (8-9)
سورة التكوير.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات)،5 فذكر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله تعالى قال: ( أن تجعل لله نداً وهو
خلقك) قال: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قال: ثم
أي؟ قال: (أن تزاني حليلة جارك)، فأنزل الله تعالى تصديقها: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
يَزْنُونَ...} الآية (68) سورة الفرقان. رواه البخاري برقم (4483).
وقال صلى الله عليه وسلم: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في
النار)، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (لأنه كان حريصاً على قتل
صاحبه). رواه البخاري برقم (31) ومسلم (1680)، واللفظ للبخاري
قال الإمام أبو سليمان رحمه الله: هذا إنما يكون كذلك إذا لم يكونا يقتتلان على تأويل إنما يقتتلان على عداوة بينهما وعصبية أو طلب دنيا، أو
رئاسة أو علو، فأما من قاتل أهل البغي على الصفة التي يجب قتالهم بها أو دفع عن نفسه أو حريمه فإنه لا يدخل في هذه لأنه مأمور بالقتال للذب عن نفسه غير قاصد به قتل صاحبه،
إلا إن كان حريصاً على قتل صاحبه.
ومن قاتل باغياً أو قاطع طريق من المسلمين فإنه لا يحرص على قتله، إنما يدفعه عن نفسه فإن انتهى صاحبه كف عنه ولم يتبعه.
فإن الحديث لم يرد في أهل هذه الصفة، فأما من خالف هذا النعت فهو الذي داخل في هذا الحديث الذي ذكرنا وبين النبي صلى الله عليه أن قتل النفس ، صفة
من صفات الكفار الأوائل الذين كانوا لايعيرون حقا للنفس فقال صلى الله عليه وسلم: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب
بعض رواه البخاري برقم (121)، وفي مواضع كثيرة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً
حراماً)، رواه البخاري برقم (6469). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة
في الدماء). رواه البخاري برقم (6471) ومسلم (1678).
وجاء في حديث آخر ، يحمل النفس مسؤولية كبيرة ، ويجعل قتلها ذنب عظيم قال صلى الله عليه وسلم : ( لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا). رواه النسائي (3986) وغيره، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، حديثا رقم:
(4361).
وقال صلى الله عليه وسلم: ( الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس واليمين الغموس رواه البخاري برقم (6298). وسميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار. الكبائر - للذهبي (1/3).
هذا بيان لعظيم حرمة النفس المسلمة التي يجب على المسلم العاقل أن يطيع ربه ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا يتبع غيره في التساهل والجرئة على قتل
النفس المحرمة ، فكيف إذا عرضت الخلائق على الله تعالى وقال المولى للقاتل ، لم قتلت من خلقته ورزقته ، وحرمت عليك قتله ، فما هي الإجابة وكيف سيكون الوقع عليك
.
ومما جاء في عظم جريمة قتل النفس المسلمة ما روته أم الدرداء قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (
كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً). رواه أبو داود (4270) وصححه
الشيخ الألباني في صحيح الجامع - حديث رقم : 4524
اللهم إنا نعوذ بك أن نصيب دماً حراماً، اللهم اعصم نفوسنا من كبائر الذنوب وعظائم الأمور، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ربنا
اغفر لنا ذنوبنا إنك أنت الغفور الرحيم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. الشيخ
الدكتور
مهدي الصميدعي
السبت 11 ذي القعدة 1432 هجرية