
هذه قطرات من فيض في فضل العلم وأهله

قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
رحمه الله
{هنيئًا لطلبة العلم؛ ما بشروا به على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم–:
فأولا: الخير الذي أخبر به في قوله -صلى الله عليه وسلم-
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
(1)
الفقه في الدين هو الفهم؛
فهم الآيات، وفهم النصوص، وفهم الأحكام الشرعية، وفهم
الأدلة، والاستنباط منها؛ لمعرفة الأحكام. فإذا فتح الله تعالى على
العبد، ورزقه هذا الفهم، فقد أراد به خيرا؛ حيث وفقه وسدده
وفتح على قلبه؛ وحيث أقبل على هذا التعلم، واهتم به، وأراد
بذلك الفضل والشرف؛ الذي هو شرف العلم، الذي هو شرف هذا
الفقه. فقد ميز الله تعالى بين العلماء، وغيرهم،
فقال تعالى:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
الزمر آية 9
أي: لا سواء بينهم، فإن أهل العلم هم الذين ورثوا كتاب
الله تعالى، وعملوا به، فلا سواء بين عالم وجاهل.
كذلك قد ذكر الله تعالى أن حملة العلم هم أهل الخشية؛ الذين
يخشون الله تعالى؛ أي: يخافونه أشد الخوف.
قال الله تعالى:
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
فاطر آية 28
لماذا كانوا أولى بخشية الله؟ لأنهم علموا أحكام
الشريعة، ثم علموا صفات ربهم، وعلموا جلاله وكبرياءه
وعظمته، وعلموا وعرفوا وحدانيته سبحانه،
وعرفوا آياته، وتفكروا في مخلوقاته، وعرفوا وعده
ووعيده؛ فكانوا أحق بأن يخشوه حق الخشية، ويخافوه
حق الخوف.
فإذا رأيت من يتجرأ على المعاصي؛ إذا رأيت من يقدم على
المخالفات، إذا رأيت من يترك الواجبات، ولا يخاف من عقوبة
الله تعالى، فإن ذلك دليل على جهله؛ دليل على أنه جاهل،
ولأجل ذلك فسر كثير من العلماء
قول الله تعالى:
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة
النساء آية 14
فقالوا: إن كل من عصى الله فهو جاهل،
ولو ادعى العلم، ولو حفظ آيات
وأحاديث، وكذلك لو حمل شهادات ومؤهلات،
فإن إقدامه على المعصية دليل على جهله
بآيات الله، وجهله بوعد الله ووعيده، ولو
ادعى أنه عالم؛ فإنها دعوى كاذبة،
ويكون جاهلا جهلا مركبا، وهو أشد الجهل،
وهو الذي ذكره بعض الشعراء بقوله:
لمـا جـهلت جهلت أنك جاهل
جهلاً وجهل الجهل داء معضل
أي: أنك جاهل، ومع ذلك تدعي أنك عالم.
وهكذا يقول الآخر:
ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري
وأنـك لا تـدري بـأنك لا تدري
المصدر
(1) قال البخاري في صحيحه
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ،قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب ،عَنْ يُونُسَ ، عَنْ
ابْنِ شِهَاب ،قال: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ ، قَالَ :سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ
أَبِي سُفْيَانَ يَخْطُبُ قَالَ :
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
" مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ،
وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ ،
وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ
السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ "
صحيح البخاري / كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال
طائفة من أمتي / حديث رقم : 6768
يتبع