الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد، فمن عقيدة النصارى :
التثليث .
المطلب الأول : تعريف ومرادهم به :
مراد النصارى من التثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس هو إله واحد الأب والابن والروح القدس إله واحد جوهر ( ذات ) واحد متساويين في القدرة والمجد.
ويفسرون هذه الغقيدة بقولهم : إن تعليم الثالوث يتضمن :
1) وحدانية الله .
2) لاهوت الأب والابن والروح القدس .
3) أن الأب والابن والروح القدس أقانيم يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد.
4) أنهم واحد في الجوهر متساويين في القدرة والمجد .
5) أنهم بين أقانيم الثالوث تمييزاً أيضا في الوظائف والعمل، لأن الكتاب يعلم أن الأب والابن الروح القدس واحد في الجوهر، متساويين في القدرة والمجد.
6) أن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العام وحفظه وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الاختيار والدعوة، وأن بعض الأعمال تنسب خصوصا إلى الابن مثل الفداء، وبعض الأعمال تنسب إلى خصوصا إلى الروح القدس مثل التجريد والتقديس.
وهم يقولون أن وحدانية الله وحدانية حقيقية وكذلك تثليثه، وهو واحد حقيقي، وهو في الوقت نفسه ثلاثة حقيقية، حيث يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت واحد في جوهرهم أي أن لهم ذاتاً واحدة وهم متساويين في قدرتهم ومجدهم، ووجودهم لم يسبق أحد منهم الآخر. فهذا شيء محير جدا !!
ويصدق عليهم في كلامهم السابق أنهم يعبدون ثلاثة ألهة ويجعلونها ضمن مسمى واحد وهو
( الله ) قال عز وجل : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا "
وقولهم في التثليث جمع بين الضدين، لأن الوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفس الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية و الشرك في مكان واحد بل هما ضدان لا يجتمعان كالسواد والبياض. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التثليث لم يرد بهذا الاسم ولا مرة واحدة في جميع كتب العهد القديم أو الجديد، ففي هذا دلالة على أن النصارى ابتدعوا عقيدة التثليث في وقت متأخر جدا، والواقع أنهم استوردوها من الأديان الوثنية التي كانت تحيط بهم، قال الله عز وجل : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل".
المطلب الثاني : استدلالات النصارى على التثليث .
ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمى دليلا إذ أن ما ذكروه يدل على أنهم لفقوا كلاما زعموا أن دليل فمن ذلك قولهم :
1- أن الله عز وجل ورد اسمه بالعبرية ( ألوهيم ) الذي يدل على الجمع وأنه استخدم صيغة الجمع في التحدث عن نفسه.
2- ألفاظ الصورة الموضوعية.
3- الأحوال التي واكبت تعميد المسيح.
المطلب الثالث : إبطال ونقض ما استدلوا على التثليث.
أدلة النصارى المذكورة هي من الضعف يهم العامل بالإعراض عنها. إلا أنه لا بد من الرد عليهم لأن استدلالاتهم بها يعني أن لها شأنا عظيما في نفوسهم، فنقول:
أما الدليل الأول :
فدعواهم في أن ( ألوهيم ) تعني الجمع فهذا باطل بنص التوراة التي نصت على أن الله واحد. كما أن اليهود الذين وجه إليهم الخطاب بهذا لم يفهموا ذلك ولم يعلموا به. أما ما ورد في
( سفر التكوين ). وهو قول " وقال الله نعمل الإنسان "، فلا يعني أكثر من أنها وردت على صيغة التعظيم والتفخيم.
أما الدليل الثاني :
فالجواب أنها لا تعني أكثر من طلب الإيمان بهؤلاء الثلاثة الله جلَّ جلاله، ورسوله المسيح عيسى عليه السلام، والملك جبريل عليه السلام.
أما الدليل الثالث :
فعلى فرض صحة الرواية بذلك فهي تدل على ثلاثة و هم :
المسيح الذي اعتمد، والروح القدس الذي نزل على شكل حمامة، وقائل من السماء ( هذا النبي الحبيب )، أين أن هؤلاء الثلاثة واحد، هذا ما لا يستطيع النصارى إثباته لا نقلا ولا عقلا.
المطلب الرابع : أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم و الأناجيل.
- ما ورده في سفر التثنية " ( 4 / 35 ) : { أنك قد أريت لتعلم أن الرب هو إله ليس آخر سواه } . وغيرها من النصوص.
المطلب الخامس : الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة.
النصارى يزعمون كما سبق بيانه بأن الله ذو ثلاثة أقانيم ( شخصية متميزة )
1) الأب 2 ) الابن 3 ) الروح القدس
وسنبين مرادهم بكل واحد من هذه الأقانيم، ونبين بطلانه.
أ- الأقنوم الأول: الأب .
1- المراد به : الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن، مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود بل الابن أزليّ الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر. وليس له عمل عندهم إلا الاختيار والدعوة.
2- أدلتهم على أبوَّة الله للمسيح تعالى الله عن قولهم.
وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح منها مثلا : ما ورد في ( إنجيل متَّى ) ( 10 / 32 ) : ( فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السماوات ).
وغيرها أيضا من النصوص، فبناءً على ذلك زعم النصارى أن الله تعالى " أبٌ " للمسيح أبوة حقيقية، وهو كلام باطل، ووهم خاطئ. وافتراء على الله، تعالى عن قولهم علوّا كبيرا.
3- الرد عليهم وبيان بطلان قولهم :
أولاً : أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل الأربعة ( متى، لوفا، مرقص، يوحنا ) وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الأناجيل لا تصلح أن تكون مستندا لهذا لأنها كتب غير موثوقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهم فضلا عن أن ينسبوها إلى المسيح عليه السلام أو إلى الله عز وجل.
ثانيا : أن النصارى لا يعتدون أن الله أبٌ للمسيح أبوة حقيقية من ناحية أن الأب غير الابن وأنه قبله في الوجود، بل يرون ويعتقدون أن الله تعالى أبٌ للمسيح وهو في نفس الوقت هو هو، ليس هو غيره، حيث يقولون أنه جوهر واحد، ولم يسبق الأب الابن في الوجود
ثالثا: على فرض صحة الروايات الواردة لديهم في الأناجيل في كلمة " الأب " فيجب أن تفسر معنى غير الأبوة الحقيقية لأمرين :
1- أنهم أوردة على المسيح كلاما كثيرا لا يمكن أن يحمل على المعنى الظاهري بل لا بد من حملة على المجاز
2- أن نسبة الأبوة إلى الله ليست خاصة في المسيح لديهم، بل وردت في العهد القديم وفي الأناجيل منسوبة إلى غير المسيح.
ب- الأقنوم الثاني : الابن .
المراد بالابن عندهم كلمة الله المتجسدة وهو المسيح عليه السلام، ويزعمون أن الابن مساوٍ للأب في الوجود، وأن الأب خلق العالم بواسطة الابن، وأنّه الذي نزل إلى الأرض بالصورة البشرية فداء للبشر، وهو الذي يتولى محاسبة الناس يوم القيامة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
- أدلتهم على أن المسيح ابن الله، تعالى الله عن قولهم:
استدل النصارى على أن المسيح ابن الله بما ورد في الأناجيل من النصوص التي تنسب المسيح ابنا لله.
- الرد عليهم :
أولا : أن كتبهم التي يستندون إليها في هذا هي كتب غير موثوقة وغير سليمة من التحريف وقد سبق بيان هذا.
ثانيا : أن النبوة التي يزعمونها تختلف عن ظاهر لفظ " ابن الله " الوارد في الأناجيل، فالابن في الأصل جزء من الأب وتختلف من نطفته ويكون الأب سابقا للابن في الوجود، والفضل له في وجوده، وما يعتقدوه النصارى في المسيح لا يتفق مع النبوة الحقيقية، وإنما يزعمون أن الابن هو الأب، وأن مساو له في الجوهر والوجود والمجد.
ثالثا: أن هذا الوصف وهو " ابن الله " أطلق على غير المسيح في مواطن كثيرة من أناجيلهم. رابعا : أن المسيح عليه السلام قد دلت الأدلة الكثيرة من بشريته، وأن رسول الله كما أوردت الأناجيل وصفة بأنه ابن الإنسان وابن داود وغير ذلك من الأوصاف الدالة على بشريته.
ج- الأقنوم الثالث : الروح القدس.
الروح لاقدس عند النصارى : إله مساو للأب والابن في الذات والجوهر والطبع، وهو في كلامهم روح الله الذي يتولى تأييد أتباع المسيح وتطهيرهم.
وقد استدلوا على قولهم بألوهية الروح القدس بأن الكتاب المقدس لديهم وصف الروح القدس بصفات لا يوصف بها إلا الله عز وجل فدل هذا عندهم على ألوهيته.
- وللرد عليهم نقول :
إن ما أورده النصارى مما نتلوه عن الأناجيل فليس في الأناجيل أي عبارة تدل على المعنى الذي يدعونه في الروح القدس وهو الوهيته.
- وأما ما ورد في إنجيل متى ( 28 / 19 ) أن المسيح قال لتلاميذه بعد قيامته : " فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس".
- فأولاً : هذا النص لم يذكره إلا صاحب الإنجيل " متى " وهو إنجيل غير موثوق وغير ثابت النسبة إلى متى الحواري.
ثانيا : على فرض صحة العبارة فإن هؤلاء ثلاثة وليسوا واحدا وكل واحد منها له مدلوله الواضح، فالأب هو الرّب جل وعلا، والابن فهو العبد الصالح وهو المسيح عليه السلام، ولا يمكن أن يكون المقصود به النبوة الحقيقية كما سبق بيان ذلك، أما الروح القدس فلا يمكن أن يكون المقصود به جزء من الإله الذي هو وصفه الحب أو الحياة أو نحو ذلك، إذ أن ذلك لا دليل عليه إنما يعني جبريل عليه السلام.
فمن هذه كله يتبين لنا عقيدة النصارى التثليث ليس لها ادلة تثبت صحتها، كما أن كل أقنوم من أقانيم الثالوث لا وجود له أدلة تثبت مفهومهم له،ة مما يجعل التثليث كله قائما على دعاوى دليل عليها، ولا مستند لها شرعي ولا عقلي.
منقول بـِ اختصآر من كتآب
" دراسات في الأديان اليهودية والنصارى "
urd]m hgjegde uk] hgkwhvn >>